(3) صناعة الأقفال

كنت اسمع كثيرًا قبل إنضمامي الكارثي للجامعة عن كثير من النظريات والطقات التي تسود مجتمع الجامعة، وعن فوبيا الإختلاط الذي كان يقض مضجع كثير من الطالبات، وخوف الكثير منهن المبالغ فيه في ليلة تسبق “برزنتيشن” إحدى المواد لأنها ستكون تحت كشف مجهري من قبل الفلانيين زملائها، كأن الشباب ينتظرونهن بأنياب حادة وسكاكين وسلاسل جهزت بأقفال لها عند مداخل الجامعة مثلاً.  لم أكن استوعب سبب الخوف هذا فالحقيقة أن الجامعة خصصت ممرات للطالبات (خارجية حارة) وأخرى داخلية مبردة للطلبة (والتبريد للشباب والشّوي للبنات.. هذه مسألة ثانية اخاف على مرارتي أن تفقع في كل مرة أتذكرها) ، وأبواب للطالبات، وأخرى للطلبة، في فصلٍ متقن للجنسين.

أتفهم بشكل كبير كون هذا الفصل وهذا النظام كله جاء فور افتتاح الجامعة ليتناسب مع الأعراف هنا، ولإسترضاء أولياء الأمور الذين لم يكونوا قبل عام 1986 قد تعودوا فكرة دراسات عليا للإناث، وكان الفصل هذا حسنة من الحسنات التي شجعت موافقتهم على دراسة بناتهم الجامعة. وهذا الأمر ذاته (إلى جانب امور اخرى) شجع على خلق ثقافة جديدة، أو هدم ثقافة قديمة كانت موجودة أصلا، فأمي مثلا قبل زواجها ومولدي المجيد كانت تربع بفرح وسعادة مع رفيقاتها قرب الوادي وكانت تذهب للمعلم مع ابناء وبنات جيرانها دون أن يضع جدي – رحمه الله – خمسين شرط  ومئة احتمال وألف توقع أسود.. كانت الحياة حلوة وبسيطة.

منذ أسابيع بدأت بإستحضار فصول معاناتي في التأقلم مع الجامعة بعد أن طلعت نتائج القبول الموحد وأسفرت عن قبول درامي لإختي من الجامعة في كلية الهندسة، وحتى اليوم ورغم كل التهديدات التي تصلني بأن لا أسد نفس المسكينة من الجامعة،  إلا أن هناك شخابيط في عقلي وسوالف أريد احكيها، عن ذلك العالم المليء بالتناقضات.

(1)    كان أول فصل دراسي يحمل لي ولكثير من زميلاتي وزملائي cultural shock عكسية من العيار الثقيل، ونوع اخر مختلف عما تحث عنه كل علماء الاجتماع ونوع كان يؤثر الدكاترة انفسهم.. في محاضرة اللغة العربية – المتطلب الجامعي المفضل لدي- كان الدكتور قد فتح باب  النقاش للطلبة ودار الحوار بين أخ و أخت من الحاضرين، وكان الأخ يعلق على الأخت بضمير رفع منفصل هي وكانت الأخت تعلق على ما جاء من الأخ بضمير منفصل اخر: هو، مما أثار حفيظة الدكتور الذي شاح بلهجته المغربية معبرًا عن تألمه وضيقه من كوننا – أبنائه الطلبة- لا نعرف اسماء بعضنا البعض في نهاية الفصل الدراسي وننادي بعضنا ككائنات نكرة لا تحمل إسما أو هوية تعرف بها.
خيم الصمت على القاعة قبل أن تفصح إحدى الطالبات عن رأي مأساوي وجنائزي، مفتت للأعصاب ولم يتعارف به حتى في القرن الحجري الأول: يا دكتور، من  ديننا الحنيف ألا تنادى المرأة بإسمها وألا يذكر اسمها، بل تنادى بأخت.

ساعتها سرحت وتخيلت قطيع من الديناصورات الجائعة تحطم جدران القاعة بأقدامها الضخمة وكدت اصيح قبل أن انتبه على الساعة والتاريخ في موبايلي وتأكدت أني لازلت في العام 2007 وأن لا شيء تغير إلا أن قانونا جديدا لم يوفق اجدادنا في التوصل إليه ظهر فجأة: يحرم على الذكور مناداة الإناث بأسمائهن.. سبحان الله العظيم! عدت لوعيي وكدت أقف على طاولتي من شدة الغضب وعنف الأحاسيس التي سيطرت علي ساعتها، أي تدين أي شمام او بطيخ يتكلمون عنه؟ هل تدعي الأخت مثلا أنها اكثر تدينا من الرسول الذي لم يجد حرج في ذكر اسم زوجته أمام جيش من المسلمين؟

(2)    في إحدى أول الأسايمنتات في حياتي الجامعية، تعسر علينا معشر الطالبات حل مجموعة من الاسئلة المتضمنة في الأسايمنت، وعلى هذا الأساس صرنا في موقف صعب وقامت المؤتمرات وجلسات محاولة فك طلاسم ذلك الأسايمنت، فأقترحت انا ومجموعة من صاحباتي الإستعانة بأحد زملائنا ممن فرضنا انهم نجحوا في حل تلك الأسئلة، وكانت ردة فعل بعض البنات: هآآآآآآآآآآآآآ من بتضحي فيكم وبتروح تطلب منه؟
تــ إيش؟ تضحي؟ ليش وين رايحين ياختشي؟ طلبت اسايمنت واسايمنت بس، مب وثيقة عقد شراء أرض مزروعة بالإلغام الأرضية! وقامت اختكم بالعملية الفدائية المذكورة وطلبت من فلان حلول الأسايمنت ونقلت كل الطالبات الحلول مني وصرت اسمع الوشاوش هنا وهناك عن الحركة الجريئة الخادشة للحياء جدًا جدًا التي قمت بها.. وكما هو سابق لعلمكم، ما اجتمع طالب وطالبة في الجامعة إلا كيوبيد ثالثهما* وهذا ما دفع إحداهن لتنبيهي أن كلامي مع فلان سيضر بسمعتي. رغم أن ما حدث لم يتعدى نقل حلول اسايمنت أمام الله وخلقه، نتيجته كانت C حافة. كلش ما يسوى علينا!
والأحوال تغيرت بمرور الفصول، فقد أصبحت الطالبات يتوجهن لي أو لأي من بنات مسقط (كما يحلوا لهم تسميتنا، رغم كوني حقيقة مواطنة من إحدى البلدان!) اذا صعب عليهم حل شيء، او فهم شيء.. أصبحنا المتحدثات الرسميات لطالبات يذبحهن الخجل والحياء، وفوق هذا يداومن بعبايات اعراس تنظف الممرات، ومكياج يتكسر ويتقطر من وجوههن.
(3)    طبيعة الدراسة في بيئة يشكل الطلبة الذكور فيها ما نسبته 75% من إجمالي الدارسين تحتم علينا التعامل نحن الطالبات مع الطلبة بطريقة إجبارية أحيانًا في تنفيذ المشاريع أو تنظيم الفعاليات والأنشطة، بلغة أخرى نحتاج لواسائل إتصال ننظم بها اعمالنا، وكان فيس بوك هو احد الخيارات التي استخدمناها اثناء عملنا، ما حدث أن الوشاوش والسوالف لم تتوقف ولم أكن اعر لذلك اهتماما، فلو كنت انوي شيء غلط كنت سأخفيه عن اهلي وعن العالم، ولكن كان من الطريف جدًا أن الناس أصحاب النقد والنصائح المتعلقة بالحفاظ على سمعتنا، كانوا قد فتحوا حسابات خاصة في فيس بوك وبنكنيمات من طقة: دلوعة الدلوعات، حلوة الجامعة، وشيخة الجميلات، وغيرها من الأسامي المسببة للقرف ومن ثم إنسداد تام للشهية، وكل ملأ صفحته الوهمية بصور مقززة لأصابع يدها وقدمها وبراطمها، وكأن الستر ألا يعرف الناس أن الصورة هي لقدمها، وكأن الناس لا يحاسبوا في الآخرة على نكنيماتهم ويحاسبوا فقط على اساميهم الحقيقية.
رسميا ومن هذا المنبر، أعلن كرهي لمرض السمعة! وضيقي من سوء الظن والتفكير المغبر هذا، نعم الحذر واجب، والسمعة مهمة ولكن هل كان هذا يمنع النساء في المغرب والأندلس قديما من فتح المجالس الأدبية والعلمية بأسمائهن وبحضورهن؟ هل منع هذا فاطمة من فتح جامعة القرويين أو ولادة من إقامة أحد اشهر المجالس الأدبية في الأندلس؟ لم يمنع الخوف على السمعة أو منها النساء القرويات العربيات من أن يركبن الدراجات ويقدن سيارات البيكب للقيام بأعمالهن اليومية وتجارتهن الخاصة وأن يظهرن في مجتمعاتهن بأسمائهن..
وصل العالم للمريخ، وعندنا من يرى في ذكر إسمه عيبا، ومن يفهم كلمة الإختلاط في الجامعات كما قد يفهمها المراهقين من اصحاب الإضطرابات النفسية..
الله يصلح الحال..
——-
* من اقوال أبو الجعافر
Advertisements

3 Comments on “(3) صناعة الأقفال”

  1. محفيف says:

    بوست رائعأشكرك عليهأنا كنت طالب في الجامعة وكنت أرى ذلك الحاجز المتعب والسلوك المقنع ومابينهما كل يومكل ما ذكرتيه يتكرر في الكليات المختلفة في عمان سواء في الجامعة أو الكليات الأخرى خارجهانحن من نختار لون العلاقة وزاوية النظرة للآخر وبعدها نلعن العادات والتقاليد التي صنعناها نحن بأنفسنا لتحكم على علاقاتنا ونظرتنا للآخر بطريقة مشوهةسبحان الله كيف نجيد صناعة الاقفالتوفقتي واجد بالعنوان وأكيد المضمون عبر عن العنوان كما أن العنوان لخص الموضوع جيدا..

  2. A. Hinai says:

    عالم متناقض بالفعل،الله يصلح الحال !

  3. Spot says:

    شكرا محفيف و الهنائي 🙂


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s