السعادة

كانت الايام العشر الاواخر من رمضان عندما بدأت بتطبيق جدول وقتي صارم لإستغلال آخر أيام رمضان وإجازتي الصيفية القصيرة فيما كنت أحسبُه مفيد.. إلا أن الظروف عاكست كل ما خططت له، بدايةً بمرضِ أُختي ونهايةً بتعطل شاحنتي الجميلة وبذلك تكنسلت كل مشاريعي الخارجية.
ليلة السابع والعشرين من رمضان، أخذت لي مقعدا في إحدى كراسي قسم الطوارئ، بإنتظار أن يتم تشخيص حالة اختي.. كانت الزيارة الثانية للمستشفى خلال اقل من يوم.. بدى قسم الانتظار هاديا وحكيتُ لنفسي أن المكان مناسب للقراءة حتى يأتي دورنا..
لم تمر لحظات قبل أن تجلس بجانبي إمرأة بدى لي انها في بدايةِ الثلاثينات من إحدى الدول العربية.. وبطريقة من ألفني وعرفني من زمان سألتني إن كنتُ أنا المريضة فأشرتُ لأُختي وأخبرتُها أني هنا معها..
بدأت المرأةُ تحكي بعفوية عن ابنتها الصغيرة ومرضها الذي بدأ ببداية الحرب على بلادها في سنة 2006.. ولأني إجتماعية وثرثارة من الدرجة الأولى فقد تفاعلتُ معها بشدة ونسيت الكتاب المفتوح امامي:
          كل افراد اسرتي استعجلوا خروجي من بيروت وقت الحرب.. كان القصف متوقع أي وقت والمطارات مزحومة كثير.. وخفت ان ابقى هناك مع ابنتي بدون علاج
          مرضها مزمن؟ 
          مرضها يا ستي مبين فيها.
فتحت السيدة محفظتها واخرجت ظرف صغير فيه مجموعة صور وناولتني احداها.. بدت البنت وكأنها مصابة بمتلازمة داون.. أحسست بالشفقة وسألتها إن كانت بالفعل كذلك.. هزت رأسها نافية:
          من الشهرالسابع للحمل ولغاية التاسع كانت تغذيتها ضعيفة كثير.. ما كان بيوصلها اوكسجين كفاية وهالشي اثر عليها ومأثر بنموها للحين.. عمرها 4 سنين.. بس عمر عقلها 8 اشهر
          وليش الطبيب ما اكتشف هالشي؟ معقول اهمال؟
          لااااا! أبدا.. الطبيب مش هين أبدا.. لكن هذا درس لي وله!
الله بيعلمه انه اعلم من هالطبيب..
وبيعلمني أقوي إيماني به وأحب بنتي..
احسست بالخجل من نفسي.. سبحان الله.. كم موقف كهذا مر بي من قبل؟ أحزن أكثر من الشخص المصاب.. كانت تتكلم أمامي بكل ثقة.. كنت أشعر أنها مصدقة لكل ما تقوله
أتألم لناس أصابتهم مصيبة وأحزن أكثر من حزنهم.. أنسى أن الله حكيم وعظيم.. يقويهم كما يختبرهم وأن جل ما يحتاجون إليه هو صبر وثقه.. الشيئين التي افتقر لهما في كثير من المواقف وتعوض عنهما الكآبة العقيمة.
          قالوا لي لا تنجبي مرة أخرى.. نصحني الطبيب وكلمني.. لا تنجبي لأن المشكلة فيك وليست في طفلتك..
ولكن.. هل يعيب أبنائي أن يكونوا أقل ذكاء من اقرانهم؟ أحب الاطفال لأنهم اطفالي.. تعرفي إبن جيراننا في بيروت.. كان شديد الذكاء.. نجح بدراسته وتخرج وعمره عشرين سنه.. ومات في حادث مفاجئ وهو يحتفل بتخرجه… من يعلم ما يحدث في المستقبل؟ الاولاد والاعمار تجي وتروح بغمضة عين وكله بيد الله..
توقفَتْ قليلا وابتسَمَتْ بِرضى.. راجعتُ مسؤول الطوارئ للحظات وعدنا لإستكمال حديثنا الشيق..  اعادت السيدة فتح الظرف.. واخرجت صورة اخرى صغيرة لطفل جميل.. 
          وهذا إبني الثاني.. سليم ومعافى وذكي الحمدلله.. كنت سأندم لو استسلمت وعرفت متأخرة أني سليمة ومعافاة وأني فوتت على نفسي تجربة امومة اخرى.
عند هذا الحد.. انتهى حوارنا.. وودعتها بسرعة قبل ان اتجه للطبيب الذي تولى اختي..
ليتني شكرتها ففي ذلك الوقت عرفت انه لا توجد للسعادة قوانين او مكونات.. ولا للحزن اسباب ثابته.. فسعادتنا هي نتاج افكارنا ومعتقداتنا.. والسعادة ليست حكرا للأصحاء أو للأغنياء… من قال أن الزهر لا ينبت وسط الصخر؟ فمِمن عانى الحرب والمرض تكلمت امامي من ظننتها من بعيد تملك من حجم الارض سعادة ورضى..
كانت تجربة حية، ودرس عظيم في مكان لم اتوقع ابدا ان اتعلم منه شيئا،، ملت صديقاتي من كثرة اعادتي لهذه القصة 🙂
Advertisements

بقولكم سالفة..









أكمل 21 خريفا (وليس ربيع.. بحكم كوني مولودة في الخريف) الجمعة القادمة بإذن الله.. بدأت الاستعدادات للإحتفال بمضي الـ21 سنة والواقع اني لا اريد ان احتفل بعيد ميلادي بقدر أني اخذتها حجة وسببا لإهدار الوقت وصرف النقود وتغيير الجو قبل أن يبدأ الدوام بقوة..

انا مولودة برج الميزان الأمر الذي سبب لي عقدة بشعة من سالفة الابراج والبقدونس وما شابهها من الطراطيش التي لا تخلو جريدة أو مجلة منها، اذكر في المرحلة الثانوية حركة غير طبيعية حدثت بعد أن قررت مديرتنا الموقرة مكافئة صفنا المتفوق برحلة إلى معرض الكتاب، وفي الباص المزركش بإقتباسات من مطرب العرب علي بحر وقلوب مكسرة وغير مكسرة اتفقت شلة من البنات على شراء كتب الابراج لماجي فرح وغيرها من البصارين وقارئي الفنجان والقلاصات والملاعق- إن كانت تُقرأ..
في الصف كان موعدنا.. في ذلك اليوم فقط.. من الصف الثاني عشر تعرفت لأول مرة على برجي: الميزان
اختلفت التشخيصات حسب مصلحة المُشخصات، اللي كانت تبي مصلحة بتدور أفضل وصف لبنت الميزان، والي مالها مصلحة ستنهش في لحمي وعظمي وبرجي المسكين الذي لم تمر ساعة مذ تعارفنا الأول:
راعية المصلحة: بنت الميزان.. تعشق التحدي والإثارة عنيدة مسيطرة لكن حنونة ومتفهمة (يعني بالعقل كيف مسيطرة وحنونة أنا ما فاهمة؟!) رومانسية تحب أكل البطاطس والعيش (طيب من ما يحب الاكل؟) ومولودة الميزان تتميز بقصر الانف وطول الوجه (ابدا ابدا!) ..
العدوة: بنت الميزان.. ساذجة يسهل الخداع عليها، تخشى شبح العنوسة… مهووسة بمنظرها وتحاول ان تخفي نقصها بإهتمامها بالملابس والمجوهرات.. تحب الذهب البنفسجي ولا تخاف الصعوبات.
مرت الايام ومرت ومرت.. وفي يوم من تلك الايام قرأت في إحدى المجلات وبالتحديد في باب “عزيزتي الدكتورة فوزية الدريع” مشكلة إحدى العاقلات التي انفصلت عن خطيبها لأنه كذب وأخفى عنها برجه الحقيقي لأنه لا يتلائم مع برجها بنسبة مئوية كبيرة.. بدأت احس بخطورة الوضع..
طبعا ساعتها حسيت بتضارب في المشاعر والاحاسيس الاقحوانية.. ركضت صوب البئر ورميت كرتي الذهبية فيه واخذت بالبكاااااء والبكااء اخذ بي في انتظار الضفدع ليخرج ويخلصني من عقدة القبح وشبح العنوسة الارجواني! (استغفر الله  اللهم اني صايمة!)
جد، شي يضحك.. دخلت الجامعة وفي جلسة من جلساتنا الدحية.. كنت اناقش احدى الأسئلة مع صاحبتي وفي غمرة تفاعلنا.. كانت احدى الفتيات تراقبني من مسافة.. حسيت كذا انها ما فوتت ولا كلمة ولا حركة ولا التفاته مني انا وصاحبتي.. اقتربت لتسأل.. انتي مولودة أي برج؟
كتمت ضحكتي بعنف: الميزان..
التفتت لصاحبتي وقبل أن تسألها قالت بإزدراء: ما مبين..! طبعا استفسرت عن السبب.. وساحتفظ به لنفسي لأسباب اجتماعية دينية وسياسية.
نقطة مفيدة جدًا: سألت رجلا حكيما من المتبحرين في علم الفلك ذات يوم عن تعريف وتفسير الابراج، فأجاب ببساطة:
يزعم علماء الابراج أن الابراج والنجوم الظاهرة في صفحة السماء في الفترة التي تصادف مولدك تؤثر في شخصيتك وطباعك، وتلعب دور في تحديد سلوكك اليومي.. وهو امر سخيف وغير معقول.. فالأولى أن تؤثر الأجرام السماوية الأقرب على حياتك.. كالشمس والقمر وعطارد وزحل والمريخ والمشتري ومذنب هالي.. ولو كان للابراج تأثيرا، ما الذي يجعل هذا التأثيرغير لحظي ودائم كالطبع والمرض الملازم لك دائما طول العمر.. ؟


العيد



كان صباح العيد أجمل يوم أنتظره، أمي تبخر لباسي وملابس اخواتي المتطابقة في الشكل والمختلفة في الحجم، وهي تملي توجيهاتها التي حفظتها عن ظهر قلب، علي وعلى اخواتي: حافظن على ملابسكن نظيفة وعلى ذهبكن، مريم همتك أختك الصغيرة، كوني مسؤولة عنها ولا تفلتي يدها في الهبطة، لا تضيعن العيدية في شراء الحلويات المنتهية والألعاب المتكسرة، لا اتحمل أن تمرض احداكن في هذه الفترة على الاقل

اطالع فستاني بفخر وأتخيل نفسي صبيحة العيد بين بنات عمي وبنات الجيران بفساتيننا الجميلة وملابسنا العمانية في عرض ازياء كنت أجده أروع شيء على الإطلاق.. اتوجه لسريري مبكرة على أمل أن يأتي الغد مبكرا أيضا، وأحاول النوم ولكن الحماس يمنعني.. يمر الوقت قبل أن أقرر التسلل للصالة حيث تسهر أمي وعماتي لمطالعة أخبار العاشرة ليلا.. يعيدني الخوف بسرعة إلى فراشي، فقد تذكرت أن قد أخبرني عبدالله إبن عمي عن الجني الذي يتمشى ليلا في الممرات ليأكل الأطفال، وأنه يفضل الطفلات السمينات مثلي
ويأتي الصبح اخيرا كالمفاجأة السارة، استيقض بسرعة وأصلي الفجر بسرعة أكبر وأنا لا أفقه شيئا من الصلاة إلا حركاتها، لأرتدي لباسي واصطف في طابور مع اخواتي امام أمي لتجدل شعري وشعرهن.. يستغل أخي محمد فرصة “عدم كونه من اصحاب الجدائل” ليحضى بالعيدية قبلي وقبل اخواتي.. انزل للصالة الكبيرة حيث يتجمع الكبار والصغار من أعمامي وأبناء عمومتي وأخوتي.. مريم تمسك بيدي وسمية بيد محمد.. يتبادل الجميع التهاني ويتحلق الاطفال حول الكبار لإستلام عيدياتهم. كنت أحسد أحمد وعمر على الريالات التي كانت تنهال عليهم من أبي وأعمامي
يناديني عمي، فأذهب بخطوات خجولة إليه.. يقبل خدي، يحتضنني، ويدس في كفي الصغيرة ربع ريال.. اطرق في خجل وسعادة غامرة، ثم ينادي ابنه الكبير العائد توًا من أمريكا ليعيدني.. كنت ارى ذلك قمة في المحبة والسخاء، وقد كان هكذا بالفعل
وقبل أن تقدم العرسية، يتجمع الكبار من أسرتي أمام الهاتف، في إنتظار إتصال من أبناء عمومتي المغتربين، تدمع عماتي شوقًا لأبنائهن، ويبدأ ابناء عمومتي بمشاكستهن والضحك عليهن.. لينتهي موقف الحزن بضحك وسعادة 🙂
في تلك الأثناء، نرتدي نحن الصغار احذيتنا إستعدادا للهبطة، كانت أمي قد خضعت لتوسلاتي قبل العيد، وابتاعت لي زوج الاحذية الحمراء اللامعة المزينة بورود بيضاء (ولسبب ما، تذكرت هذا الحذاء لما طالعت أطفال الجنة)، وكانت بنات عمي وأخواتي معجبات أيما إعجاب بذلك الحذاء
يمتلئ فناء بيت عمي بالعرائس والمسدسات المكسرة مغرب يوم العيد، ونعود للمنزل بملابس ممزقة أطرافها، وأحذية اختفت معالمها بفعل التراب والطين 🙂
هكذا كان كل عيد، وفي كل عيد وسنة تتغير امور قليلة، في كل عيد ازداد طولا واقترب من طول عمي وأبي، وفي الأعياد التي تلت، صارت أمي تطلب مني ما كانت تطلبه من أخواتي يوما ما: أنتي مسؤولة عن أخوتك الصغار، لا تفلتي يدهم في الهبطة! حتى كبر اخوتي وصار محمد ثم عائشة مسؤولين عمن تلاهم
جاء عيد تلو الاخر،و في العيد سنة 2001، لم يكن عمي هناك لأقارن طولي به، وكانت أمي، ولم يسابقها احد، هي اول من ترفع السماعة، لتحادث اخويي المغتربين وتبكي، ليشاكسها أبي فتضحك وتسكت، وتمر السماعة من يد لآخرى لنعايد اخوتي، وإبن عمي، وكثير ممن لم يعيد معنا بسبب ظروف العمل أو الدراسة
ومرت السنين، ويأتي كل فجر عيد محمل بالسعادة والحزن في آن واحد.. سعادة بيوم العيد، هدية الله لنا، وحزن لكل من فارقنا، لعمتي التي كانت تعد العرسية فجر العيد لكل الأسرة، لعمي عميد اسرتنا الراحل، لأخي محمد الذي أصبحت افتقد مزحاته الصاخبة صباح العيد ونكته على ما ارتدي، وصرت مع أمي، أنتظر بجانب الهاتف إتصالا منه وتدمع عيني، ليشاكسني اخي يعقوب، الذي لم يكن قد ولد بعد عندما كنت أخشى جني الممرات
رحل الكثير، وقدم لحياتنا الكثير.. ويبقى العيد اجمل مناسبة، مليئة بالمعاني الروحانية والتواصل 
..
أليست هذه سنة الحياة؟ :).
—–
قمت بتغيير الأسامي للخصوصية 🙂

[كتاب]: للكون إله

لثاني سنة على التوالي يحل د. صبري الدمرداش ضيفا على برنامج بيني وبينكم للمفكر الإسلامي محمد العوضي، كانت الحلقة اليوم عن نظرية داروِن وعدة أسئلة متعلقة بأًسس هذه النظرية والتناقضات التي دارت حلوها منذ أن عرفت للعالم وحتى يومنا هذا، غدا ستستكمل الحلقة واعتقد أن الحوار معه سيستمر خلال الأيام الثلاثة المقبلة. 

ذكرني إسم الدكتور بتجربة قراءة مميزة خضتها أيام الثانوية، والواقع أني لم أنهها حتى اليوم، مع مؤلفة من مؤلفاته: للكون إله، قراءة في كتاب الله المنظور
كتاب علمي شيق، تأملات مبهرة في هذا الكون الفسيح وعظمته والكثير من العلم والايمان،، جاء بإسلوب يتناسب مع الكبار والصغار على هيئة حوارات علمية تدور بين عالم و فقيه وأسرة صغيرة
مزيج من العلم البحت والإيمان العميق.. إجابة لأسئلة كثيرة وبحر علم غزير عن السماء ونواميس الكون والكون وظواهره، تعريف بالله في فكر العلماء و الفلاسفة ومن انكره
والكثييير.. بإختصار هو من الكتب الضرورية في مكتبتكم، موسوعة أرجع لها بين الحين والآخر، ويوفر جرعة معذية للإيمان في كل وقت

لا أدري إن كان هذا مناسبا ولكني وجدت أيضا نسخة ألكترونية من هذا الكتاب
  
قراءة ممتعة 🙂

(3) صناعة الأقفال

كنت اسمع كثيرًا قبل إنضمامي الكارثي للجامعة عن كثير من النظريات والطقات التي تسود مجتمع الجامعة، وعن فوبيا الإختلاط الذي كان يقض مضجع كثير من الطالبات، وخوف الكثير منهن المبالغ فيه في ليلة تسبق “برزنتيشن” إحدى المواد لأنها ستكون تحت كشف مجهري من قبل الفلانيين زملائها، كأن الشباب ينتظرونهن بأنياب حادة وسكاكين وسلاسل جهزت بأقفال لها عند مداخل الجامعة مثلاً.  لم أكن استوعب سبب الخوف هذا فالحقيقة أن الجامعة خصصت ممرات للطالبات (خارجية حارة) وأخرى داخلية مبردة للطلبة (والتبريد للشباب والشّوي للبنات.. هذه مسألة ثانية اخاف على مرارتي أن تفقع في كل مرة أتذكرها) ، وأبواب للطالبات، وأخرى للطلبة، في فصلٍ متقن للجنسين.

أتفهم بشكل كبير كون هذا الفصل وهذا النظام كله جاء فور افتتاح الجامعة ليتناسب مع الأعراف هنا، ولإسترضاء أولياء الأمور الذين لم يكونوا قبل عام 1986 قد تعودوا فكرة دراسات عليا للإناث، وكان الفصل هذا حسنة من الحسنات التي شجعت موافقتهم على دراسة بناتهم الجامعة. وهذا الأمر ذاته (إلى جانب امور اخرى) شجع على خلق ثقافة جديدة، أو هدم ثقافة قديمة كانت موجودة أصلا، فأمي مثلا قبل زواجها ومولدي المجيد كانت تربع بفرح وسعادة مع رفيقاتها قرب الوادي وكانت تذهب للمعلم مع ابناء وبنات جيرانها دون أن يضع جدي – رحمه الله – خمسين شرط  ومئة احتمال وألف توقع أسود.. كانت الحياة حلوة وبسيطة.

منذ أسابيع بدأت بإستحضار فصول معاناتي في التأقلم مع الجامعة بعد أن طلعت نتائج القبول الموحد وأسفرت عن قبول درامي لإختي من الجامعة في كلية الهندسة، وحتى اليوم ورغم كل التهديدات التي تصلني بأن لا أسد نفس المسكينة من الجامعة،  إلا أن هناك شخابيط في عقلي وسوالف أريد احكيها، عن ذلك العالم المليء بالتناقضات.

(1)    كان أول فصل دراسي يحمل لي ولكثير من زميلاتي وزملائي cultural shock عكسية من العيار الثقيل، ونوع اخر مختلف عما تحث عنه كل علماء الاجتماع ونوع كان يؤثر الدكاترة انفسهم.. في محاضرة اللغة العربية – المتطلب الجامعي المفضل لدي- كان الدكتور قد فتح باب  النقاش للطلبة ودار الحوار بين أخ و أخت من الحاضرين، وكان الأخ يعلق على الأخت بضمير رفع منفصل هي وكانت الأخت تعلق على ما جاء من الأخ بضمير منفصل اخر: هو، مما أثار حفيظة الدكتور الذي شاح بلهجته المغربية معبرًا عن تألمه وضيقه من كوننا – أبنائه الطلبة- لا نعرف اسماء بعضنا البعض في نهاية الفصل الدراسي وننادي بعضنا ككائنات نكرة لا تحمل إسما أو هوية تعرف بها.
خيم الصمت على القاعة قبل أن تفصح إحدى الطالبات عن رأي مأساوي وجنائزي، مفتت للأعصاب ولم يتعارف به حتى في القرن الحجري الأول: يا دكتور، من  ديننا الحنيف ألا تنادى المرأة بإسمها وألا يذكر اسمها، بل تنادى بأخت.

ساعتها سرحت وتخيلت قطيع من الديناصورات الجائعة تحطم جدران القاعة بأقدامها الضخمة وكدت اصيح قبل أن انتبه على الساعة والتاريخ في موبايلي وتأكدت أني لازلت في العام 2007 وأن لا شيء تغير إلا أن قانونا جديدا لم يوفق اجدادنا في التوصل إليه ظهر فجأة: يحرم على الذكور مناداة الإناث بأسمائهن.. سبحان الله العظيم! عدت لوعيي وكدت أقف على طاولتي من شدة الغضب وعنف الأحاسيس التي سيطرت علي ساعتها، أي تدين أي شمام او بطيخ يتكلمون عنه؟ هل تدعي الأخت مثلا أنها اكثر تدينا من الرسول الذي لم يجد حرج في ذكر اسم زوجته أمام جيش من المسلمين؟

(2)    في إحدى أول الأسايمنتات في حياتي الجامعية، تعسر علينا معشر الطالبات حل مجموعة من الاسئلة المتضمنة في الأسايمنت، وعلى هذا الأساس صرنا في موقف صعب وقامت المؤتمرات وجلسات محاولة فك طلاسم ذلك الأسايمنت، فأقترحت انا ومجموعة من صاحباتي الإستعانة بأحد زملائنا ممن فرضنا انهم نجحوا في حل تلك الأسئلة، وكانت ردة فعل بعض البنات: هآآآآآآآآآآآآآ من بتضحي فيكم وبتروح تطلب منه؟
تــ إيش؟ تضحي؟ ليش وين رايحين ياختشي؟ طلبت اسايمنت واسايمنت بس، مب وثيقة عقد شراء أرض مزروعة بالإلغام الأرضية! وقامت اختكم بالعملية الفدائية المذكورة وطلبت من فلان حلول الأسايمنت ونقلت كل الطالبات الحلول مني وصرت اسمع الوشاوش هنا وهناك عن الحركة الجريئة الخادشة للحياء جدًا جدًا التي قمت بها.. وكما هو سابق لعلمكم، ما اجتمع طالب وطالبة في الجامعة إلا كيوبيد ثالثهما* وهذا ما دفع إحداهن لتنبيهي أن كلامي مع فلان سيضر بسمعتي. رغم أن ما حدث لم يتعدى نقل حلول اسايمنت أمام الله وخلقه، نتيجته كانت C حافة. كلش ما يسوى علينا!
والأحوال تغيرت بمرور الفصول، فقد أصبحت الطالبات يتوجهن لي أو لأي من بنات مسقط (كما يحلوا لهم تسميتنا، رغم كوني حقيقة مواطنة من إحدى البلدان!) اذا صعب عليهم حل شيء، او فهم شيء.. أصبحنا المتحدثات الرسميات لطالبات يذبحهن الخجل والحياء، وفوق هذا يداومن بعبايات اعراس تنظف الممرات، ومكياج يتكسر ويتقطر من وجوههن.
(3)    طبيعة الدراسة في بيئة يشكل الطلبة الذكور فيها ما نسبته 75% من إجمالي الدارسين تحتم علينا التعامل نحن الطالبات مع الطلبة بطريقة إجبارية أحيانًا في تنفيذ المشاريع أو تنظيم الفعاليات والأنشطة، بلغة أخرى نحتاج لواسائل إتصال ننظم بها اعمالنا، وكان فيس بوك هو احد الخيارات التي استخدمناها اثناء عملنا، ما حدث أن الوشاوش والسوالف لم تتوقف ولم أكن اعر لذلك اهتماما، فلو كنت انوي شيء غلط كنت سأخفيه عن اهلي وعن العالم، ولكن كان من الطريف جدًا أن الناس أصحاب النقد والنصائح المتعلقة بالحفاظ على سمعتنا، كانوا قد فتحوا حسابات خاصة في فيس بوك وبنكنيمات من طقة: دلوعة الدلوعات، حلوة الجامعة، وشيخة الجميلات، وغيرها من الأسامي المسببة للقرف ومن ثم إنسداد تام للشهية، وكل ملأ صفحته الوهمية بصور مقززة لأصابع يدها وقدمها وبراطمها، وكأن الستر ألا يعرف الناس أن الصورة هي لقدمها، وكأن الناس لا يحاسبوا في الآخرة على نكنيماتهم ويحاسبوا فقط على اساميهم الحقيقية.
رسميا ومن هذا المنبر، أعلن كرهي لمرض السمعة! وضيقي من سوء الظن والتفكير المغبر هذا، نعم الحذر واجب، والسمعة مهمة ولكن هل كان هذا يمنع النساء في المغرب والأندلس قديما من فتح المجالس الأدبية والعلمية بأسمائهن وبحضورهن؟ هل منع هذا فاطمة من فتح جامعة القرويين أو ولادة من إقامة أحد اشهر المجالس الأدبية في الأندلس؟ لم يمنع الخوف على السمعة أو منها النساء القرويات العربيات من أن يركبن الدراجات ويقدن سيارات البيكب للقيام بأعمالهن اليومية وتجارتهن الخاصة وأن يظهرن في مجتمعاتهن بأسمائهن..
وصل العالم للمريخ، وعندنا من يرى في ذكر إسمه عيبا، ومن يفهم كلمة الإختلاط في الجامعات كما قد يفهمها المراهقين من اصحاب الإضطرابات النفسية..
الله يصلح الحال..
——-
* من اقوال أبو الجعافر

وعلى الكبار تطاول الأقزام

قرأت هذه الرائعة لنزار قباني مرات كثيرة
وكل مرة كأنها أول مرة…خليط من المشاعر تنتابني كل مرة أسمع فيها أنشودة عن الرسول أو أقرأ قصيدة كهذه، (عليه أفضل الصلاة والتسليم)
 ….
عَـزَّ الـورودُ وطـال فيـك أوامُ وأرقـتُ وحـدي والأنـام نيـامُ 
ورَدَ الجميع ومن سناك تـزودوا وطردت عن نبع السنـا وأقامـوا

ومنعت حتى أن أحوم ولـم أكـد وتقطعت نفسي عليـك وحامـوا
قصدوك وامتدحوا ودوني أغلقـت أبواب مدحـك فالحـروف عقـامُ

أدنوا فأذكر مـا جنيـت فأنثنـي خجـلا تضيـق بحملـي الأقـلام
أمن الحضيض أريد لمسا للـذرى جـل المقـام فـلا يطـال مقـام

وِزْرِي يكبلني ويخرسني الأسـى فيموت في طرف اللسـان كـلام
يممت نحوك يـا حبيـب الله فـي شوقٍ تقـض مضاجعـي الآثـام

أرجو الوصول فليل عمري غابـة أشـواكـهـا … الأوزار والآلام
يا من ولدت فأشرقـت بربوعنـا نفحات نـورك وانجلـى الإظـلام

أأعود ظمـآنٌ وغيـري يرتـوي أيراد عن حـوض النبـي هيـام
كيف الدخول إلى رحاب المصطفى والنفس حيرى والذنـوب جسـام

أو كلمـا حاولـت إلمامـا بــه أزف البـلاء فيصعـب الإلـمـام
ماذا أقول وألـف ألـف قصيـدة عصماء قبلي … سطرت أقـلام

مدحوك ما بلغوا برغـم ولائهـم أسرار مجـدك… فالدنـوُّ لمـامُ
حتى وقفتُ أمـام قبـرك باكيـاً فتدفـقَ الإحسـاس والإلـهـامُ

ودنـوت مذهـولا أسيـرا لا أرى حيـران يلجـم شعـري الإلجـام
وتوالت الصور المضيئة كالـرؤى وطوى الفـؤاد سكينـة وسـلام

يا ملء روحي وهج حبك في دمي قبس يضـيء سريرتـي وزمـامُ
أنت الحبيب وأنت مـن أروى لنـا حتـى أضـاء قلوبنـا الإٍسـلام

حوربت لم تخضع ولم تخش العدى من يحمه الرحمن كيـف يضـام
وملأت هذا الكون نورا فاختفـت صور الظـلام وقوضـت أصنـام

الحزن يملأ يا حبيـب جوارحـي فالمسلمون عن الطريق تعامـوا
والـذل خيَّـم فالنفـوس كئيبـة وعلـى الكبـار تطـاول الأقـزام

الحزن أصبـح خبزنـا فمساؤنـا شجـن وطعـم صباحنـا أسقـام
واليـأس ألقـى ظلـه بنفوسنـا فكـأن وجـه النيريـن ظــلام

أنى اتجهت ففي العيون غشـاوة وعلى القلوب من الظـلام ركـام
الكـرب أرقنـا وسهـد ليلـنـا من مَهدهُ الأشـواك كيـف ينـام

يا طيبة الخيرات ذل المسلمـون ولا مجيـر وضيـعـت أحــلام
يغضون إن سلب الغريب ديارهـم وعلى القريب شذى التراب حـرام


باتـوا أسـارى حيـرة وتمـزق فكأنهـم بيـن الـورى أغـنـام
ناموا فنام الـذل فـوق جفونهـم لا غرو وضاع الحـزم والإقـدام

ودنـوت مذهـولاً أسيـراً لا أرى حيران يلجـم شعـري الإحجـام
وتمزقـت نفسـي كطفـل حائـر قد عاقـه عمـن يحـب زحـام

يا هادي الثقلين هل مـن دعـوة تُدْعَـى بهـا يستيقـظ الـنـوامُ


نزار قباني 

خطوة | A Step

Dear readers,

I’d like to introduce our new team blog,  خطوة | A Step,,  Faith, Giselle and I have decided to start this blog as one of those small steps in this way a head of us to make a real change and to keep the memory of what happens in Palestine alive within us. 

This blog is a drop in the silence sea of the world…in which we believe that if it happens and intensifies with other drops; they’d change something…someday!

مدونتنا هي قطرة نسكبها في بحر صمت العالم،

..نؤمن لو أنها تكاثفت مع قطرات غيرها ستحرك فيه شيئا

يوما ما